المستشار - دراسة قانونية حول الإشكال الذي حصل بين دولة رئيس مجلس الوزراء اللبناني، بطلبه من معالي وزير الدفاع الوطني عدم بيان رأيه فيما يعود للمؤسسة العسكرية (الجيش)، التابعة لإدارته، بحجة أنه سيتكلم

دراسة قانونية حول الإشكال الذي حصل بين دولة رئيس مجلس الوزراء اللبناني، بطلبه من معالي وزير الدفاع الوطني عدم بيان رأيه فيما يعود للمؤسسة العسكرية (الجيش)، التابعة لإدارته، بحجة أنه سيتكلم هو بإسم الحكومة في الجلسة المنعقدة في قاعة الهيئة العامة للمجلس النيابي بمناسبة التصويت على إقتراح قانون العفو، والتي أدّت الى الطلب منه بعد إبدائه أنه سيتكلم عن وزارة الدفاع فقط الطلب منه عدم دخول القاعة.

بقلم : المحامي وليد نورالدين الخطيب

يقول Montesquieu في كتابه روح الشرائع بأنه كي لا يُساء إستعمال السلطة، يجب أن يكون ترتيب الأمور على نحوٍ يجعل السلطة توقف السلطة

Pour qu’on ne puisse abuser du pouvoir, il faut que, par la disposition des choses, le pouvoir arrête le pouvoir

فالحالة المطروحة في هذه الدراسة، ليست مسألة حق شخصي لوزير في الكلام. ولا خلافاً إجرائياً حول تنظيم المناقشة داخل المجلس النيابي، والتي يعود أمر إدارتها أساساً الى دولة رئيٍس المجلس النيابي (ولا بد من الإشارة هنا، الى أن الجدال والبحث تم خارج القاعة العامة، وكان شخصياً بين رئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع الوطني). وإنما هي تتصل بمسألة أعمق من ذلك، وهي تحديد الحدود الدستورية لإختصاص الوزير في النظام الدستوري اللبناني، ومدى ما يقتضيه هذا الإختصاص من حق وواجب في عرض شؤون الإدارة التي يتولاها، وبيان حاجاتها ومقتضياتها، والموقف أمام السلطة التشريعية. ذلك أن الدستور اللبناني لم يجعل من الوزير عضواً في هيئة سياسية جماعية، بل أناط به، وبصورة خاصة وشخصياً، وفقاً للمادة 66 منه، إدارة مصالح الدولة وتطبيق الأنظمة والقوانين، في كل ما يتعلق بالأمور العائدة إلى إدارته، وبما خصّ به، وحمّله، في الوقت ذاته، مسؤولية فردية عن أفعاله وواجباته. حتى أن المجلس الدستوري اللبناني، في إجتهاده، كما سيتبيّن لنا، ذهب الى أبعد من مجرد تقرير هذه الولاية للوزير، فوصفها بأنها ولاية دستورية في إدارة مصالح الدولة، وأقرّ للوزير في نطاقها سلطة تقريرية، وربط بين هذه السلطة وبين مسؤوليته الفردية عن إدارة وزارته، وذلك وفقاً لما حددته المادة 66 ذاتها من الدستور حيث جاء فيها:

"يتحمّل الوزراء إجمالياً تجاه مجلس النواب تبعة سياسة الحكومة العامة، ويتحملون إفرادياً تبعة أفعالهم الشخصية "

ومن هنا تبرز قاعدة دستورية لا يجوز إغفالها عند تحقيق نطاق صلاحيات الوزير مفادها أن المسؤولية لا تنفصل عن السلطة التي تُمكّن من ممارستها، ولا يجوز أن تلقى على عاتق شخص مسؤولية إدارة مرفق عام، ثم تُجرّد منه الوسائل الدستورية اللازمة التي تُمكّنه من عرض متطلباته ومشاكله ومقتضيات حسن سيره أمام السلطات المختصة. فالمسؤولية الوزارية ليست مجرد تبعة لاحقة على ممارسة السلطة، بل هي قرينة على وجود ولاية فعلية يمارسها الوزير في نطاق إختصاصه.

وتزداد أهمية هذه المسألة عندما يكون الوزير أمام مجلس النواب. فالمادة 67 من الدستور لم تكتفِ بإجازة حضور الوزراء الى المجلس المذكور، إنما قررت لهم حقاً دستورياً صريحاً في الحضور، وحقاً دستورياً آخراً في أن يُسمعوا عندما يطلبون الكلام. حتى أن المادة المذكورة موضوع البحث(67) أجازت لهم الإستعانة بمن يرون من عمال إدارتهم. وهذه الأحكام لا تبدو في ضؤ إرتباطها بالمادة 66 من الدستور، مجرد قواعد بروتوكولية أو تنظيمية فقط، بل تُشكِل إحدى الوسائل التي تُمكّن الوزير من ممارسة وظيفته الدستورية والتعبير أمام السلطة التشريعية عن شؤون الإدارة التي يتولاها.

ومن ثمّ، فإن التمييز الذي تقيمه المادة 64 من الدستور بين إختصاص رئيس مجلس الوزراء في تمثيل الحكومة والتكلّم بإسمها، وبين الإختصاص الفردي للوزير في إدارة وزارته، يكتسب أهمية حاسمة. فحق رئيس مجلس الوزراء في الكلام بإسم الحكومة لا يمكن، بمجرد إطلاقه، أن يتحوّل الى وسيلة لإهدار الولاية الدستورية الخاصة بالوزير. ولا سيما عندما لا يكون الوزير بصدد مناقضة موقف الحكومة، أو إنشاء سياسة عامة جديدة، وإنما بصدد عرض متطلبات الادارة التي أناط الدستور والقوانين النافذة به  مسؤولية إدارتها.

ومن هنا، تتحدد الإشكالية لهذه الدراسة في الإجابة على السؤال التالي:

" هل يُشكّل منع الوزير المختص من دخول قاعة الهيئة العامة لمجلس النواب، أو منحه حق الحضور من إبداء موقف بشأن وزارته، وفي موضوع يدخل في صميم إختصاصها، مجرّد تدبير من تدابير تنظيم الجلسة. أم أنه يُمثل قيداً على ولاية دستورية للوزير وحرماناً له من إحدى الوسائل اللازمة لممارسة مسؤوليته ؟ وبالتالي ما هو الحد الفاصل بين سلطة رئيس مجلس الوزراء على ضؤ القوانين والأنظمة المرعية الإجراء في تنظيم أعماله، وسلطة الوزير الدستورية في إدارة وزارته وبيان شؤونها ؟. ولا بد للإجابة عن ذلك، من تجنّب الخلط بين ثلاثة أمور مختلفة:

  • التكلم بإسم الحكومة.
  • التكلم بإسم الوزارة.
  • التعبير عن المعطيات والمقتضيات الإدارية التي تقع ضمن إختصاص الوزير.

فالأول يرتبط بالمادة 64 من الدستور، وبالواقع الدستوري لرئيس مجلس الوزراء. أما الثاني والثالث فيرتبطان بولاية الوزير على إدارته ومسؤوليته الفردية عنها. والحق الدستوري الذي قررته المادة 67 من الدستور، بوجوب أن يُسمع الوزير إذا طلب الكلام.

وعليه، فإن البحث في مشروعية منع الوزير أو الحؤول دون وجوده في قاعة الهيئة العامة للمجلس النيابي، لا ينبغي أن يبدأ من واقعة المنع ذاتها، بل من تحديد مركز الوزير في النظام الدستوري اللبناني، وطبيعة ولايته على وزارته، ومدى إستقلال إختصاصه الفردي عن الإختصاص الجماعي لمجلس الوزراء، والآثار التي تترتب على مسؤوليته الفردية، ثم تحديد ما إذا كان من مقتضيات هذه الولاية أن يكون له حق عرض شؤون إدارته أمام مجلس النواب، وما إذا كان يوجد في الدستور او القانون نص صريح يجيز تقييد هذا الحق، أو يجيز حرمان الوزير منه. ذلك أن الأصل في الإختصاصات الدستورية، ألا تفترض حدودها خارج النص الدستوري، كما أن الحرمان من ممارسة إختصاص أو حق دستوري لا يُستخلص من مجرد صلاحية عامة لسلطة أخرى لا تصل أصلاً الى هذا الحد. فإذا كان الدستور قد أنشأ للوزير ولاية ومسؤولية، وقرر له في الوقت ذاته حق الوصول الى مجلس النواب، وحق أن يسمع عند طلب الكلام. فإن أي قيد يرد على هذه الولاية، أو على هذه الوسيلة الدستورية اللازمة لممارستها، يحتاج الى ستد قانوني واضح وصريح، وبشرط أن يكون بالمستوى التدرجي ذاته، أي ان يكون نصاً دستورياً. بالتالي لا يكفي لإقامته الإستناد الى تفسير موسّع لإختصاص آخر، إذا أعتبرنا أن الدولة اللبنانية هي دولة قانون.

وتكتسب المسألة أهمية خاصة عندما يكون الموضوع المطروح أمام المجلس النيابي داخلاً في صميم إختصاص وزارة الدفاع الوطني، ويتعلق بمواضيع ومتطلبات ومعطيات عائدة لها. ففي مثل هذه الحالة لا يكون الوزير بصدد ممارسة حق سياسي شخصي في التعبير، ولا بصدد منافسة رئيس مجلس الوزراء في تمثيل الحكومة والكلام بإسمها، وإنما يكون ومن حيث الأصل، بصدد ممارسة  الولاية التي أناطها الدستور والقانون به على الوزارة التي يتولاها، وبصدد تحمل مسؤولية عنها.

واللافت أن واقعة الحؤول دون حضور وزير الدفاع الوطني جلسة مجلس النواب، أو دون تمكينه من إبداء موقف وزارته لم يصدر عن دولة رئيس مجلس النواب في إطار سلطته في إدارة الجلسات النيابية وتنظيم الكلام فيه ( كما أشرنا آنفاً ). وإنما صدر عن رئيس مجلس الوزراء في مبنى المجلس النيابي، حيث يثور هنا التساؤل التالي:

ما هي سلطة رئيس مجلس الوزراء في مواجهة وزير يتولى بموجب الدستور، إدارة وزارة تتمتع بإختصاصات حددها الدستور؟ وهل يملك رئيس مجلس الوزراء أن يحول دون ممارسة الوزير لإختصاصاته الدستورية في عرض شؤون وزارته ومتطلباتها أمام المجلس النيابي.

هنا تتخذ القضية بعداً دستورياً دقيقاً، إذ لا يعود الأمر متعلقاً بحدود حق الوزير في الكلام فقط، بل بحدود العلاقة بين رئيس مجلس الوزراء والوزير المختص، وبالفاصل بين ما يندرج في الإختصاص الجماعي لمجلس الوزراء، وما يدخل في الولاية الفردية للوزير. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا، ما إذا كان لرئيس مجلس الوزراء، إستناداً الى موقعه الدستوري في تمثيل الحكومة والتكلم بإسمها، سلطة تخوله منع وزير من ممارسة وسيلة التعبير عن الادارة التي يتولاها، حتى عندما يكون موضوع الكلام متعلقاً مباشرةً بإختصاص تلك الادارة ومسؤولية الوزير عنها، إذ أن الدستور لم يلغِ الشخصية الدستورية للوزير داخل السلطة التنفيذية، ولم يحوّل الوزراء الى مجرد معاونين لرئيس مجلس الوزراء، بل أقام توزيعاً للإختصاص والمسؤولية بينهم، فأناط بمجلس الوزراء رسم السياسة العامة وإقرار المسائل التي حددها الدستور، وأناط بالوزير إدارة شؤون وزارته  وتطبيق الأنظمة والقوانين المتعلقة بها، وحمّله تبعة ما يتصل بإختصاصه، الأمر الذي يوجب التوقف عند مسألة جوهرية متعلقة بهذا الإختصاص في القانون الاداري، وهي نظرية الحلول Théorie de substitution أو بالأحرى وفيما خصّ حالتنا الراهنة، وبصورة أدق سلطة الحلول في ممارسة الإختصاص الوزاري  Le pouvoir de substitution dans l’exercice ministériel

والجدير ذكره هنا، أنه إذا كان القانون لا يسمح او يجيز للرئيس الاداري الحلول محل المرؤوس، إلا في حالاتٍ محددة وضيقة. فكيف يمكن لرئيس مجلس الوزراء سلطة الحلول محل وزير يستمد إختصاصه من الدستور مباشرةً، مع الإشارة الى أن حق التوجيه، لا يعني بالضرورة أن له الحق في ممارسة الإختصاص الوزاري بدلاً عنه. خاصةً وأن الإختصاص الوزاري لا يُعدّ إختصاصاً أدنى في السلم التنفيذي، والنتيجة هي غير متعلقة بمسألة الحلول، وإنما هي في الحؤول دون ممارسة الإختصاص الدستوري

Empêchement de l’exercice  d’une compétence constitutionnelle

وكما أشرنا قبلاً، فإن سلطة التوجيه والإدارة لا تمتد إلى أن تصبح سلطة رئاسية  Pouvoir hiérarchique  بدليل أن:

  1. النص الدستوري حاسم في أن حق الوزير في أن يسمع ليس إمتيازاً لرئيس الحكومة . فالمادة 67 من الدستور نصّت حرفياً على ما يلي:

" للوزراء أن يحضروا الى المجلس النيابي أنى شاؤوا وأن يُسمعوا عندما يطلبون الكلام ولهم أن يستعينوا بمن يرون من عمال إدارتهم "

وبما ان القاعدة الاساسية في القانون الاداري هي ان الإختصاص لا يُفترض، ولا ينتقل من صاحبه الى غيره قانوناً إلا بنص أو في حالة أجازها القانون صراحةً أو إستخلصها القضاء من مبدأ قانوني ملزم. الأمر الذي يعني ان رئيس مجلس الوزراء لا يستطيع الحلول محل وزير الدفاع الوطني لإستناد الوضع الى التوزيع الدستوري للإختصاصات،

فالمادة 66 من الدستور تنص صراحةً على أن :

" يتولى الوزراء إدارة مصالح الدولة ويناط بهم تطبيق الأنظمة والقوانين كل بما يتعلق  بالأمور العائدة الى إدارته وبما خصّ به"

وهذا يعني أن الوزير هو صاحب الإختصاص الدستوري في إدارة وزارته،

وفي المقابل المادة 64 تُحدد إختصاصات رئيس مجلس الوزراء، ومن بينها أنه:

" يتابع أعمال الإدارات والمؤسسات العامة، وينسق بين الوزراء ويعطي التوجيهات العامة لضمان حسن سير العمل "

كما تنص على أنه يعقد جلسات عمل مع الجهات المعنية بحضور الوزير المختص.

وهذه العبارة الأخيرة بالذات لها أهمية كبيرة. إذ أن الدستور لم ينص على أن رئيس مجلس الوزاراء يدير الوزارات والإدارات، بل جاء فيه أنه يتابع أعمال الادارات وينسق بين الوزراء ويعطي التوجيهات العامة.

ومن الواضح الفرق الجوهري يوجب معه شرح وصياغة العبارة بشكل تفصيلي أكثر وفقاً لما يلي:

  • رئيس مجلس الوزراء له سلطة تنسيق وتوجيه ومتابعة على المستوى الحكومي العام.
  • الوزير هو صاحب الإختصاص في إدارة وزارته وفي تطبيق الأنظمة والقوانين المتعلقة بها.

لذلك لا يستطيع رئيس مجلس الوزراء، أن يحل محل وزير الدفاع الوطني أو غيره من الوزراء لتقرير ما يلزم لإداراتهم، بإعتبار ان مجرد إضطلاعه بمهامه كرئيساً لمجلس الوزراء لا يكفي بأن يمنحه إختصاصاً للحلول في أي منصب آخر بدون نص قانوني يجيز ذلك، وعلى وجه الخصوص يصبح الأمر أخطر عندما يكون الإختصاص محدداً بنص دستوري للوزير شخصياً. والأمر كذلك سنداً للمادة 66 المتقدم ذكرها. ولا يمكن إذن على ضؤ ما جاء أعلاه أن يحل رئيس مجلس الوزراء محل الوزير في حالات ما عدا اذا كان هناك سند قانوني خاص بذلك، منه تنشأ حالة قانونية تجعل الوزير غير قادر على ممارسة إختصاصه مثلاً، ويكون القانون قد حدد أصلاً من يحل محله. وحالتنا الحاضرة لا ينطبق عليها ذلك. الأمر الذي يوصلنا الى القول بأنه، لا يجوز تحويل سلطة التنسيق والإشراف الى سلطة حلول. فالمادة 65 خوّلت مجلس الوزراء سلطة " السهر على تنفيذ القوانين والأنظمة والإشراف على أعمال كل أجهزة الدولة .." لكن هذا لا يعني أن رئيس مجلس الوزراء يستطيع منفرداً أن ينتزع الإختصاصات  التي أسندها الدستور او القانون الى وزير معين، بإعتبار أن مجلس الوزراء نفسه شيء، ورئيس مجلس الوزراء منفرداً  شيء آخر. فالإختصاص الممنوح للوزير بنص دستوري او تشريعي لا يصبح إختصاصاً لرئيس مجلس الوزراء لمجرد أنه هو رئيس الحكومة. والسبب في ذلك أن رئيس الحكومة ليس رئيساً إدارياً للوزراء بالمعنى الذي يسمح له بأن يحل محلهم في إختصاصاتهم الفردية. فالدستور بعد الطائف أعاد توزيع السلطة التنفيذية على نحوٍ واضح: السلطة الإجرائية تناط بمجلس الوزراء ( المادة 17 ) والوزراء يتولون إدارة مصالح الدولة كل في نطاق وزارته ( المادة 66 ) ورئيس مجلس الوزراء يتولى رئاسة الحكومة والتنسيق والمتابعة والتوجيه العام كما ورد في النص ( المادة 64 ). وعلى أساس النص الدستوري يستطيع رئيس مجلس الوزراء أن يوجّه الوزير سياسياً وحكومياً في إطار السياسة العامة التي قررها مجلس الوزراء، لكنه لا يستطيع كقاعدة عامة أن يحل محله في ممارسة إختصاص قانوني شخصي للوزير. وإذا صدر عنه قرار في إختصاص الوزير من دون نص يجيز ذلك، نكون أمام عيب عدم الإختصاص Incompétence قد يصل الأمر فيه الى وصفه بأنه إغتصاب وظيفي للإختصاص.

وكما أشرنا إذن أن صلاحية رئيس مجلس الوزراء في التوجيه والإدارة والتنسيق، لا تمتد الى أن تصبح سلطة رئاسية Pouvoir hiérarcique . وفي حالتنا الراهنة المطروحة، لا يجوز أن تتحول صلاحية رئيس الحكومة الى سلطة يستولي بها على الإختصاص الموضوعي للوزير المختص، ولا سيما عندما يكون الأمر متعلقاً بإقتراح قانون نيابي وليس بمشروع قانون حكومي، والدليل على ذلك:

  1. النص الدستوري الحاسم في أن حق الوزير المشار اليه في المادة 67 من الدستور، ليس إمتيازاً لرئيس الحكومة، وإنما هو حق دستوري للوزير مباشرةً:

وقبل مناقشة المادة 67 المشار اليها، لا بد من بيان الأصل التاريخي والمقارن لنصها، لنتمكن من معرفة أبعادها ومداها القانوني. فنشير الى انه يعود مصدر تلك المادة(67) الى المادة السادسة من القانون الدستوري الفرنسي الصادر في 16 تموز 1875 ( الجمهورية الثالثة)، والذي أرسى ما يعرف في الفقه الفرنسي ب: " حق التواصل الوزاريLe droit de communication ministérielle " حيث ورد فيها:

“ Les ministres ont l’entrée dans les deux chambres et doivent être entendus quand ils demandent……. »

وقد إستقر الفقه الدستوري المقارن، على ان هذا الحق هو تجسيدٌ لمبدأ توازن السلطات Equilibre des pouvoirs  في الأنظمة البرلمانية، حيث يتيح للسلطة التنفيذية أن تُعلم السلطة التشريعية بموقفها مباشرةً دون وسيط، وهو ما يجعل من طبيعته حقاً وظيفياً لصيقاً بالمنصب الوزاري ذاته، لا إمتيازاً شخصياً قابلاً للسحب من جهة أُخرى داخل السلطة التنفيذية نفسها.

فالمادة 67 المذكورة نصّت حرفياً على ما يلي:

" للوزراء أن يحضروا الى المجلس إن شاؤوا، وأن يُسمعوا عندما يطلبون الكلام، ولهم أن يستعينوا بمن يرونه من عمال إدارتهم "

ومن الملاحظ في هذا النص أنه يتضمن حقين متمايزين ومتتاليين منطقياً، وهما:

  • حق الحضور المطلق زمانياً (أنى شاؤوا)
  • حق الكلام المشروط حصراً بطلب الوزير ( عندما يطلبون)

فالفعل ( يُسمعوا ) ورد بصيغة الوجوب لا التخيير، أي أن المجلس   ( لا رئيس الحكومة ) هو المخاطب بإلزام الاستماع متى طلب الوزير الكلام. ولم يشترط النص أي إذن مسبق من رئيس الحكومة أو من أي عضوٍ آخر في السلطة التنفيذية، فحيث لم يميّز النص، لا يجوز للمفسر أن يميز وفقاً وسنداً للقاعدة الفقهية " لا إجتهاد في مورد النص الصريح "

ومضمون هذه المادة أو هذا الكلام إذن، ليس مجرد حق بروتوكولي أو إمتياز تنظيمي، وإنما إختصاص دستوري مباشر للوزير في مواجهة حتى السلطة التشريعية،

وبالتالي، عندما يطلب وزير الدفاع الكلام أمام الهيئة العامة بصفته وزيراً مسؤولاً عن قطاع يدخل في إختصاص وزارته، فإن الأصل الدستوري هو أن يُستمع إليه شخصياً،

وهنا تظهر أهمية عبارة " يجب أن يُستمع إليهم عندما يطلبون الكلام"

فالمشترع الدستوري لم يقل " يُستمع إليهم بإذن من رئيس مجلس الوزراء " ، أو " يُستمع إلى الوزير الذي يختاره رئيس مجلس الوزراء"، وكذلك القوانين الوضعية الأخرى الأدنى مرتبةً من الدستور لم تأتِ على ذكر أي شيءٍ من ذلك، بل جُعل حق طلب الكلام للوزير نفسه وبصفته تلك.

  1. التمييز الجوهري بين المادتين 64 و65 :

بدايةً يتعين القول أن الإختلاف بينهما هو إختلاف لمحل الحق،

فالمادة 64 المذكورة ( المعدلة بالقانون الدستوري رقم 18 تاريخ 21/9/1990 )، تضمنت أن رئيس مجلس الوزراء، هو رئيس الحكومة يمثلها ويتكلم بإسمها، ويعتبر مسؤولاً عن تنفيذ السياسة العامة التي يضعها مجلس الوزراء، وهو ما يمنح رئيس الحكومة صفة التمثيل الجماعي للحكومة والتكلم بإسمها ككيان واحد، وبالتالي هذا النص لا يوليه صفة الوصاية على الوزراء بشكلٍ إفرادي.

أما المادة 67، فتخوّل كل وزير-  بصفته الفردية والشخصية المسؤولة عن قطاعه -  حقاً مستقلاً بذاته، لا يندرج تحت مظلة التمثيل الجماعي، ولا يُستوعب فيه. ومن ثم فإن إختصاص التمثيل الجماعي ( مادة 64 ) لا سند فيه لتقييد الإختصاص الفردي المستقل الذي منحه الدستور بنص صريح لعضو آخر (المادة 67) ، إذ أن تعدد أشخاص الحكومة قانوناَ (رئيسها ووزرائها) يستتبع بالضرورة تعدد مراكزهم القانونية، ولا يجوز لأحد المراكز ان يبتلع مركزاً آخر او يطغى عليه بدون نص قانوني يجيز ذلك،

ولا بد لنا هنا ولإستكمال بحث كامل مضمون المادة 64 التي تبين المهام والصلاحيات العائدة لرئيس الحكومة، والتي حددتها تلك المادة، وذلك من البحث والتمييز الدقيق بين كلمة التنسيق

( Coordination  ) ومفهوم التبعية الإدارية  (Subordination hiérarchique)، تطبيقاُ للواقع القانوني الحقيقي للمادة موضوع البحث، حيث أوجبت أن رئيس الحكومة " ينسق بين الوزراء ويعطي التوجيهات العامة لضمان حسن سير العمل " وأنه " يعقد جلسات عمل مع الجهات المعنية في الدولة بحضور الوزير المختص"، وهذه العبارات، على الرغم مما قد يظن البعض من ظاهرها، لا ترقى الى درجة التبعية الإدارية بمعناها الفني الدقيق في القانون الإداري، أي أنها ليست تبعية إدارية بحسب المعايير الموضوعية الآتية:

  • معيار سلطة الأمر الإداري الملزم الفردي ( Pouvoir d’instruction): حيث ان السلطة الرئاسية الحقيقية قانوناً، تخوّل صاحبها إصدار أوامر فردية ملزمة لمرؤوسيه، مقرونة بجزاء تأديبي عند المخالفة او عدم الإمتثال. أما "التوجيهات" المشار اليها في ذات المادة 64 ، فتتعلق بحسب سياق النص، بتنفيذ " السياسة العامة " التي يضعها مجلس الوزراء مجتمعاً سنداً  للمادة 65 من الدستور، لا رئيس الحكومة منفرداً، فهو ناقل وموجّه لتنفيذ قرار جماعي متخذ سابقاً، لا مُصدر أمر شخصي نابع من إرادته وحدها. فلا تتوفر فيها هذه الخاصية للمعيار المشار إليه،
  • معيار السلطة الرقابية والتأديبية (Pouvoir de sanction et contrôle ) : بحيث تستلزم السلطة الرئاسية الكاملة صلاحية إلغاء  قرار المرؤوس، أو تعديله أو الحلول محله في إتخاذ القرار أحيانا، وصلاحية إخضاعه لعقوبة تأديبية كسلطة تسلسلية. فالوزير مسؤول سياسياً أمام مجلس النواب وحده (المادة 66) من الدستور، لا إدارياً أمام رئيس الحكومة. وإنعدام عنصري االإلغاء والتأديب ينفيان بذاتهما قيام تبعية إدارية مفترضة بالمعنى الدقيق للعبارة وسياقها( قاعدة: لا سلطة رئاسية بدون نص صريح يوجبها أو يُخوّلها ).
  • معيار طبيعة ( جلسات العمل):
  1. مبدأ الحكومة الجماعية( الزمالة الوزارية) لا التراتبية الرئاسية:

يقوم النظام الدستوري اللبناني على مبدأ " الزمالة الوزارية  Collégialité gouvernementale" إذ تُتخذ القرارات المفصلية ضمن مجلس الوزراء مجتمعاً وفق المادة 65 من الدستور، وليس بإرادة رئيسه المنفردة. ذلك لأن رئيس الحكومة، من الناحية القانونية الصرفة، هو " الأول بين متساوين( Pares inter primus ) لا رئيساً تراتبياً ( Chef hiérarchique ) يملك سلطة الأمر والنهي او الرقابة الإنضباطية على الوزراء أفراداً، كما هو الحال في العلاقة الإدارية العادية بين الرئيس الإداري ومرؤوسيه. حتى أنه في بعض البلدان يسمى الوزير الأول. مما يبعد عنه سلطة الإسكات او منع الكلام او الحضورلإعتبار هذه الأمور مظهراً من مظاهر السلطة الادارية ( Pouvoir hiérarchique) وهي سلطة لا وجود لها أصلاً بين رئيس الحكومة والوزراء في النظام اللبناني، وممارستها منعدمة السند القانوني من أساسها أصلاً.

  1. تلازم حق الكلام مع المسؤولية الوزارية الفردية ( المادة 66 من الدستور)

بما أن المسؤولية السياسية أمام مجلس النواب، لا تقتصر على الحكومة مجتمعة، بل تشمل الوزراء شخصياً وإفرادياً- إذ يجوز لمجلس النواب طرح الثقة بوزير واحد بذاته دون الحكومة برمتها- فإن حق الوزير في الكلام والدفاع عن سياسة وزارته، هو الوجه اللازم لتحمّله هذه المسؤولية الفردية( المادة 66 من الدستور) التي جاءت فقرتها الأخيرة لتنص على أنه " يتحمل الوزراء إجمالياً تجاه مجلس النواب، تبعة سياسة الحكومة، ويتحملون إفرادياً تبعة أفعالهم الشخصية " وذلك تطبيقاً  لمبدأ عام في الأصول والفقه والمبادىء العامة للقانون ولأصول المحاكمات، وهو مبدأ " سماع الطرف الآخر  Alteram audi partem" بأنه ومبدئياً، لا يقاضى  أحد إلا بعد سماعه. فلا يستقيم أن يًحمّل الوزير تبعة مسؤولية فردية عن إدارته وقطاعه، ويحرم في ذات الوقت من الوسيلة الدستورية الوحيدة للدفاع عن نفسه امام الهيئة التي تملك إمكانية مساءلته

  1. وجوب عدم مخالفة القاعدة الأصولية القائلة بأن " الحق لا يسقطه إلا صاحبه:

ذلك أن من القواعد الفقهية والأصولية المستقرة، أن الحق الثابت لشخص بعينه، هو محمي قانوناً، ولا يُسقطه أو يعطل ممارسته إلا صاحبه. وأن التصرف بحق الغير ممن لا يملكه تصرف باطل لا ينتج أثراً  قانونياً ( لا يملك المرء التنازل عن حق لغيره). وعلى ضؤ ما تقدم ، ولا سيما من حق الوزير في الكلام عندما يطلب هو ذلك وفق ما حددته له شخصياً المادة 67 كما تبين لنا أعلاه، لا يملك رئيس الحكومة – بصفته شخصاً آخر يختلف مركزه القانوني عن مركز الوزير المختص – صفة قانونية لإسقاط هذا الحق العائد قانوناً للوزير، لا أصالةً ولا نيابةً عن الوزير.

مما يشير الى أن لرئيس الحكومة بالفعل سلطة تنسيق، والسعي الى توحيد الموقف الحكومي. ولكن عبارة التنسيق لا تصل الى درجة تخويله منع الوزير من الكلام أمام مجلس النواب. فالفرق جوهري بين التنسيق بين الوزراء الذين قد تختلف وجهة الأمر فيما بينهم، فيسعى رئيس الحكومة للتنسيق بمعنى التدخل للوصول الى نتيجة توحد الصف الوزاري قدر الإمكان على موضوع مطروح  أمام مجلس الوزراء، وهو أمر محمود، كما أنه من صلب مهامه. أما الحلول محل الوزير في التعبير عن إختصاص وزارته. وبالتالي موقف رئيس الحكومة بالطلب من وزير الدفاع عدم الكلام في المجلس النيابي، بل وعدم دخول القاعة العامة فيه ، يكون صادراً عن غير ذي ولاية دستورية إستناداً الى ما قرره الإجتهاد الدستوري اللبناني، الذي أبطل القانون لعدم مشاركة الوزير المختص مع رئيس الجمهورية بالذات في المقررات الصادرة عنه ( فكيف بنا بالتدبير الصادر عن رئيس الحكومة،  المتعارض أيضاً مع الدستور والأحكام الدستورية الصادرة عن المجلس الدستوري ( الملزمة أحكامه وفقاً لقانون إنشائه ولا سيما المادة 13 منه لكافة السلطات  التشريعية والتنفيذية والقضائية)، ووفقاً لما سيلي بيانه في قرار المجلس الدستوري المشار اليه والذي يتبين منه أن ما جاء فيه:

" - إن السلطة الإجرائية أصبحت بعد تعديل المادة 17 من الدستور مناطة بمجلس الوزراء، الذي يتولاها وفقاً لأحكام الدستور. وإن التعديل المذكور لم يكن إلا لتحقيق المشاركة في الحكم بين جميع الفئات التي يتألف منها الشعب اللبناني.......

  • أنه يتضح من نص المواد 54 و65 و66 من الدستور ما يلي:
  • إن مشاركة الوزير المختص في التوقيع على مقررات رئيس الجمهورية ليس أمراً شكلياً، بل إنه من الأمور الجوهرية التي يتوقف عليها شرعية او لا شرعية هذه المقررات.
  • إن لمجلس الوزراء صفة مجلس الوزراء عند إنعقاده في مقره الخاص، ويلتئم وتُتخذ  قراراته بأكثرية موصوفة نصّت عليها المادة 65 من الدستور. وعند إنفضاضه يتخذ صفة الحكومة. ففي مجلس الوزراء المشاركة في إتخاذ القرار، وفي الحكومة التنفيذ الذي يشغل مسؤولية من يقع عليه عبء التنفيذ.
  •  إن الوزيرهو الذي يتولى إدارة وزارته ويناط به تطبيق الأنظمة والقوانين المتعلقة بالأمور العائدة الى إدارته وبما خصّ به..."

( قرار المجلس الدستوري رقم 5 تاريخ 29/9/2001)

يتبين من القرار الدستوري أعلاه أنه في المجلس النيابي يعود الأمر الى الوزير وفقاً للدستور،لأن عبء التنفيذ فيما يعود لإدارته وبما خصّ به سنداً للمادة 66 من الدستور، والمكرّس بالحكم الدستوري الملزم المشار إليه أعلاه، وبإعتبار أنه فيما يعود لأعماله وأفعاله الشخصية، هو مسؤول مباشرةً  أمام المجلس التيابي سنداً للفقرة الأخيرة من المادة 66 التي نصت على ما يلي:

" يتحمل الوزراء إجمالياً تجاه مجلس النواب تبعة سياسة الحكومة، ويتحمّلون  إفرادياً تبعة أعمالهم الشخصية "

مما يجعل موقف رئيس الحكومة في تلك المناسبة العائدة للتصويت بشأن صدور قانون العفو، مُعطِلاً للدستور ومتعارضاً مع حجية الأمر المقضي فيه. وهذا الأمر ترتكز مخالفة الدستور فيه ليس على التحليل فقط، وإنما الإجتهاد قسم المخالفة تلك  الى ثلاثة  مستوياتٍ متدرجة:

  • الصلاحية الدستورية المستقلة للوزير: فالمادة 66 من الدستور المشار اليها ، تنيط الى الوزير، كما أسلفنا إدارة مصالح الدولة وتطبيق الأنظمة والقوانين فيما يخص ادارته، وهي – بحسب إجتهاد المجلس الدستوري ذاته – " حيثية دستورية مستقلة " للوزير، لا تُستمد من تفويض رئيس الحكومة ولا تخضع لسلطته التقديرية. فرئيس الحكومة بموجب المادة 64 من الدستور، يُمثِل الحكومة مجتمعة، لكنه لا يحل محل الوزير في ممارسة إختصاصه الفردي.
  •  حجية مضمون القرار 5/2001: عدم جواز تقييد هذه الصلاحية، ولو بقانون، ذلك أن المجلس الدستوري أرسى في هذا القرار مبدأً دستورياً صريحاً بأنه لا يجوز تقييد الصلاحية  الدستورية للوزير المختص، ولا صلاحية مجلس الوزراء أيضاً، حتى بقانون  يسُنه المشترع نفسه، متى تعلّق الأمر بمواضيع إعتبرها الدستور أساسية. فإذا كان المشترع – صاحب السلطة العليا في سن القوانين – عاجزاً دستورياً عن تقييد هذه الصلاحية. فإن حؤول رئيس الحكومة دون ممارسة وزير الدفاع لمهامه، بقرار سياسي إداري منفرد لا سند تشريعي له أصلاً، يشكّل مخالفة أفدح وأشد وضوحاً من تلك التي أبطلها المجلس الدستوري.
  •  الأساس القانوني لحجية قرارات المجلس الدستوري والقضية المحكمة ( المادة 13 من قانون إنشاء المجلس الدستوري رقم 250/1993 ): وإمتداد المادة المذكورة الى الأعمال اللاحقة المماثلة في الجوهر،
  •  ذلك أن المجلس الدستوري ذكر في هذا القرار بأن قراراته تتمتع بقوة القضية المحكمة الملزمة لجميع السلطات العامة. حيث نصّت المادة الأولى من قانون إنشائه كما ذكرنا أعلاه على أنه هيئة دستورية مستقلة ذات صفة قضائية. وهذا التوصيف القانوني الصريح

( صفة قضائية ) هو الذي يسُسبغ على قراراته الحجية القضائية الكاملة بمعناها الفني الدقيق – لا حجية رأي إستشاري أو موقف سياسي قابل للمراجعة أو إعادة النظر من أي سلطة أخرى، بل حجية حكم قضائي نهائي مبرم وبات. غير قابل لأي طريق من طرق الطعن العادية أو غير العادية.

  • التمييز الجوهري بين حجية المنطوق وحجية الأسباب المقررة:

حيث يميز فقه القانون الدستوري المقارن بين نوعين من الحجية لقرارات المجلس الدستوري:

                *- حجية المنطوق ( القضية المحكمة)  ( Autorité de la chose jugée ) وتقتصر على محل النزاع بالذات،

إبطال أو تثبيت النص المطعون فيه .

                *- حجية الأٍسباب المقررة أو الأسباب الحاسمة

 ( Autorité de la chose interprétée ( وتشمل كل مبدأ قانوني عام ومجرد أرساه المجلس في معرض تسبيب قراره، ولو تجاوز محل النزاع الأصلي.

فحين يقرر المجلس الدستوري مبدأً تفسيرياً عاماً ( كمبدأ حرمة الإختصاص الدستوري الفردي من التقييد أو الإختزال من جهةٍ أخرى، كما في القرار رقم 5/2001)، فإن هذا المبدأ يكتسب حجية تتجاوز واقعة النزاع المحدد الذي أُنشىء بمناسبته، ليصلح قاعدة تفسيرية ملزمة لكل حالة مماثلة تُثار لآحقاً، وإن إختلف موضوعها الشكلي ( تعيين موظفين، التدخل غير المسند قانوناً بحق دستوري للوزير، وغيره....).

هذا التمييز هو ما يمنح قرارات القضاء الدستوري طابعها شبه التشريعي ( Quasi- legislatif ) ، فهي لا تفصل نزاعاً فردياً فحسب، بل تنتج معياراً تفسيرياً للدستور يسري على كافة المواضيع المماثلة او المطابقة.

        *- النفاذ في مواجهة الكافة، وإمتناع إعادة الطرح : ذلك أن قرارات المجلس الدستوري نافذة في مواجهة كل السلطات العامة دون إستثناء ( Erga omnes) – السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية على حدٍ سواء – لا في مواجهة أطراف النزاع المباشرين فقط كما هو الحال في الأحكام القضائية العادية بين خصومٍ بعينهم. ويترتب على ذلك :إمتناع إعادة الطرح (L’irrecevabilité remise en cause ): فلا يجوز لأي سلطة من السلطات المشار اليها أعلاه أن "  تعيد فتح " مسألة قانونية سبق أن حسمها المجلس الدستوري بمبدأ تفسيري عام، ولو من خلال موقف عملي أو قرار إداري لا يتخذ صراحةً صورة نص مطعون فيه، فالمخالفة الفعلية ( كمنع الوزير من الكلام) هي من حيث الجوهر، تعطيل لمبدأ دستوري سبق أن أُعيد تكريسه قضائياً، لا مجرد إجتهاد سياسي مغاير مباح.

الإلزام هنا دون حاجة حتى لتكرار التقاضي، خلافاً للأحكام القضائية العادية التي تستلزم دعوى جديدة لكل واقعة، لأن المبدأ التفسيري الذي يقرره المجلس الدستوري، يسري تلقائياً وبقوة القانون على كل واقعة لاحقة تندرج تحت علته ذاتها

( Ratio decidendi ) دون حاجة الى إستصدار قرار جديد بشأن كل حالة فردية.

وبما أن القرار 5/2001، قرر، بصفة عامة ومجردة، أن الإختصاص الدستوري المكرّس لجهة بعينها – سواءً جماعياً (مجلس الوزراء) أو فردياً ( الوزير في إدارة وزارته)، لا يجوز لأي جهة أخرى أن تقيّده أو تختزله بغير سند دستوري صريح، وهذا المبدأ يسري بقوة القانون على واقعة منع وزير الدفاع الوطني من الكلام، دون حاجة الى إستصدار قرار دستوري جديد بشأنها تجديداً. ذلك أن العلة القانونية

(حرمة الإختصاص الدستوري الفردي) واحدة في الحالتين، والمجلس الدستوري سبق أن حسمها وقضى بها.

والنتيجة النهائية إذن، هي أن كل طرح – سياسي كان أم إداري أم قانوني – يُقدّم اليوم لتبرير حرمان وزير من ممارسة إختصاص دستوري فردي مكرّس له بنص صريح، إنما يصطدم بنص بمبدأ قانوني سبق أن حُسِم قضائياً مبرماً وباتاً بموجب قرار دستوري (5/2001) . ولا يملك مُصدر هذا الطرح صفة " إعادة فتح" ما إستقرّت عليه حجية القضاء والأحكام الدستورية التي قررته. فحجية هذه الأحكام هنا لا تنحصر في وقائع القرار الأصلية، بل تمتد بقوة الأسباب المقررة فيه لتشمل كل نزاع لاحق يثارحول المبدأ ذاته، أياً كان الشكل الذي يتخذه هذا النزاع، وأياً كانت الجهة التي تطرحه.

وهذا المفهوم لم يتقرر إنطلاقاً من قرارٍ واحدٍ صدر عن المجلس الدستوري، بحيث أنه وفي قرارٍ ليس ببعيد، للمجلس الدستوري تكرّس المفهوم ذاته:

"... إن الوزير أصبح جزأً من السلطة الإجرائية المناطة بمجلس الوزراء، كونه مشاركاً في إتخاذ القرار الإجرائي....

وبما أنه لا يصح تقييد صلاحية الوزير المختص الدستورية....... وبخاصةً في المواضيع التي إعتبرها الدستور أساسية........ عندما يكون من شأن هذه القوانين الإنتقاص من هذه الصلاحية، أو فرض شروط مقيّدة لممارستها على ما ورد في قرار المجلس الدستوري رقم 5 تاريخ 29 أيلول 2001............. حيث لا مانع من إبداء المشورة وتزويد الوزير و / أو مجلس الوزراء المعطيات والمعلومات التي تمكّنه من إتخاذ القرار، حتى إن تجاوزت أي هيئة أو لجنة هذا الدور، مارست صلاحية تتناقض بالمطلق مع أحكام الدستور....... "

( قرار المجلس الدستوري رقم 4 تاريخ 22/7/2020 )

  1.  مبدأ الإختصاص المقيّد وحصر ضبط الجلسة برئاسة المجلس النيابي:

ذلك أن كل سلطة دستورية مقيّدة أصلاً بحدود إختصاصها المرسوم بنص الدستور، ولا يجوز لها أن تنُنشىء لنفسها بالإجتهاد او بالممارسة، إختصاصاً تقييدياً على سلطة أخرى، بغير تفويض دستوري صريح ( مبدأ عدم إفتراض الإختصاص)، ولا نص في الدستور اللبناني يُخوّل رئيس الحكومة سلطة منع وزير من دخول القاعة العامة للمجلس النيابي، أو من الكلام فيها، ذلك أن ضبط النظام داخل الجلسات وتنظيم منح الكلام هو، بحكم القانون وطبيعة الأشياء، وبحكم الأصول البرلمانية خاصةً، هو كما تقدم ذكره، من صلاحيات رئيس مجلس النواب حصراً بوصفه رئيس الجلسة، لا من صلاحيات رئيس السلطة التنفيذية الذي لا سلطان له على تنظيم أعمال السلطة التشريعية.

  1. نظرية إندماج الدولة بالنظام القانوني وتطبيقها على خضوع رئيس الحكومة وغيره للنص: بحيث أن مدارس كبرى في الفقه الدستوري، ذهبت الى أن الدولة ليست كياناً يعلو النظام القانوني، أو يوجد خارجه، بل هي ذلك النظام ذاته، متجسداً في هيئات وأجهزة وإدارات ووحدات، وكل عضوٍ فيه من أعضاء الدولة – بما فيه رئيس السلطة التنفيذية – إنما هو نتاج النظام القانوني الذي أنشأ وحدد إختصاصه، لا سيداً عليه، وبالتالي فإن أي تصرف يصدر عن هذا العضو او ذاك، خارج ما حدده ورسمه النص الدستوري يكون منعدم الأساس القانوني، ولو إتخذ صورة توجيه او طلب سياسي، وقد صوّر العميد Bonnard هذا الوضع والمفهوم بأن الدولة ليست في داخل النظام القانوني، وإنما هي هذا النظام بذاته

L’État n’est pas dansle système de droit, il est ce système

وتطبيقأ لهذا المفهوم، وبما أن رئيس الحكومة له مركز قانوني أنشأه الدستور ذاته، وحدد له إختصاصاً مرسوماً ( م 64 و65)، فإنه لا يملك – بصفته جزء من هذا النظام لا سيداً عليه – أن يُعطل بإرادته المنفردة نصاً آخراً من النظام ذاته ( المادة 67) يُخوّل عضواً غيره حقاً مستقلاً. فتعطيل النص هنا لا يكون فعلاً داخل النظام القانوني، بل خروجاً عليه، وهو ما لا يملكه أي عضو من أعضاء الدولة، أياً كانت مرتبته. فإذا كان حق الكلام نفسه – وهو الحق المشروط بالطلب – لا يجوز قانوناً إسكاته أو تجاهله أو تعطيله، لغياب أي سند دستوري لذلك، فإن حق الحضور والدخول الى تاقاعة العامة – وهو حق أسبق منطقياً وأوسع نطاقاً، إذ ورد في صدر المادة 67 مطلقاً من كل قيد

 ( أنى شاؤوا ) ، يكون أولى بعدم جواز المنع ( A fortiori )، فمن كان له الحق الأوسع ( الحضور زماناً ) يكون له من بابٍ أحرى، الحق الأضيق

 ( الكلام المشروط بالطلب)، والقول بجواز المنع من الدخول أصلاً، يبطل الحكمة التشريعية من النص برّمته، إذ يجعل حق الكلام اللاحق غير ذي موضوع. وعليه فإن منع وزير الدفاع الوطني من دخول القاعة العامة

 – بصرف النظر عن دواعيه – يفتقر الى أي سند دستوري، بل ويتعارض صراحةً مع نص آمر أعلى مرتبةً من أي قرار أو توجيه اداري او سياسي، عملاً بمبدأ تدرج القواعد القانونية ( Hiérarchie  des normes ).

  1. طبيعة الموضوع المطروح- إقتراح قانون عفو مقدّم من نواب لا مشروع قانوني مقدّم من الحكومة، وأثره في نفي سند التمثيل:

فمن المعطيات الجوهرية التي تُعزز الإستدلال المتقدم، أن الموضوع المطروح على جدوا أعمال مجلس النواب هو إقتراح قانون عفو عام مقدّم من نواب، لا مشروع قانون محال من الحكومة. ولهذا التمييز الإجرائي أثر قانوني حاسم في محل النزاع.

فالمادة 18 من الدستور اللبناني، أجازت لكل من مجلس النواب ومجلس الوزراء حق إقتراح القوانين، حيث نصت على ما يلي:

" لمجلس النواب ومجلس الوزراء حق اقتراح القوانين، ولا ينشر قانون ما لم يقره مجلس النواب "

وعملياً، إذا صدرت المبادرة عن الحكومة، سميّ النص مشروع قانون

( Projet de loi )، ولا يُحال الى السلطة التشريعية، إلا بعد إقراره ضمن مجلس الوزراء مجتمعاً، وفق آلية التصويت أو التوافق المنصوص عنها في المادة 65 من الدستور – وهو ما يُنشىْ " موقفاً حكومياً جماعياً " رسمياً بالمعنى الذي تفترضه المادة 64. أما إذا صدرت االمبادرة عن أعضاء المجلس النيابي أنفسهم، سمّي النص " إقتراح قانون (  Proposition de loi )، ولا يمر بالضرورة على مجلس الوزراء، ولا يستلزم إتخاذ موقف حكومي جماعي مسبق بشأنه.

وبما أن قانون العفو محل البحث هو إقتراح قانون لا مشروع قانون، فإنه لا يوجد بشأنه أصلاً، موقف حكومي جماعي، إتُخذ ضمن مجلس الوزراء بحسب المادة 65، يُخّول رئيس الحكومة أن يتكلم بإسمها، إستناداً الى المادة 64 . فسند التمثيل الذي تقوم عليه صلاحية رئيس الحكومة في الكلام بإسم الحكومة منعدم في أساسه هنا لغياب محله، أي غياب الموقف الحكومي الذي يمكن أن يمثله لو كان موجوداً أصلاً. وبالتالي فإن موقف رئيس الحكومة نفسه، إزاء هذا الإقتراح، إن وُجد، ليس تعبيراً عن إرادة جماعية سبق أن تشكّلت ضمن مجلس الوزراء، بل هو شأنه شأن موقف وزير الدفاع تماماً، موقف فردي مستجد يواجه الإقتراح للمرة الأولى أمام المجلس النيابي.

ويترتب عن هذا الأمر نتيجتان:

  • الأولى: التماثل في المركز القانوني بين الطرفين، إزاء هذا الملف بالذات، مما ينفي عن رئيس الحكومة أي أساس لإدعاء تفوق تراتبي عليه يُخوّله الحؤول دون حضور وزير الدفاع الوطني جلسة التصويت على إقتراح القانون، او منعه من الكلام فيها حال حضوره، إذ لا يملك، في غياب موقف حكومي جماعي مسبق يمثله بحكم المادة 64 سوى صفة مماثلة لصفة الوزير، بإعتباره طرفاً يواجه الإقتراح ويبدي رأيه الفردي فيه حصراً، ويكون شأنه شأن رئيس الحكومة لهذه الجهة.
  • الثانية : وهي الأهم، من أن وزارة الدفاع الوطني هي الجهة الأكثر إتصالاً موضوعياً بمضمون قانون العفو العام، بحكم ما يشمله عادةً الموضوع من جرائم ذات صلة بالشأن الأمني والعسكري، مما يجعل حق وزير الدفاع الوطني في إبداء الرأي التقني والقانوني بشأنه من صميم إختصاصه الوزاري المباشر، بالمعنى الدقيق الذي تستوجبه المادة 67 ( ما يتعلق بوزارته ) لا مجرد رأي عابر، في حين لا يملك رئيس الحكومة أن يستند الى المادة 64 لتبرير حصر كلامه  بنفسه في موضوع هو بذاته جديد عليه كما هو جديد على الحكومة مجتمعة.

ويتبين مما تقدم أن حق الوزير في الحضور الى المجلس النيابي والكلام فيه متى طلب ذلك هو حق دستوري أصيل، مصدره نص صريح ( مادة 67) مؤسس تاريخياً على تقليد دستوري مقارن وراسخ، ومتلازم وظيفياً مع مسؤوليته الفردية أمام المجلس النيابي ( المادة 66 ) ومحمي بمبدأ الزمالة الحكومية الذي يستبعد أي علاقة تراتبية بينه وبين رئيس الحكومة ( المادة 65) ، بصفته عضواً خاضعاً للنظام القانوني، لا متسلطاً عليه، إذ لا سند قانوني له لتعطيل هذا الحق، بمنع الدخول، او طلب الإمتناع عن الكلام، أو من بابٍ أولى، بمنع الدخول ذاته.

تأسيساً على ما تقدم:

وبعد إستعراض النصوص الدستورية ذات الصلة، يتبين لنا أن المسألة لا تتعلق بمفاضلة بين رئيس الحكومة ووزير الدفاع الوطني، ولا بمنازعة على أولوية سياسية، وإنما بتحديد حدود كل إختصاص دستوري، وصون كل حق دستوري من أن يتحوّل الى وسيلة لإلغاء حق دستوري آخر.

فرئيس مجلس الوزراء، بموجب المادة 64 من الدستور، هو رئيس الحكومة وممثلها والمتكلم بإسمها، وله ما أناطه به الدستور من صلاحيات في قيادة العمل الحكومي وتنسيقه، غير أن هذه الصلاحيات على أهميتها، لا تُنشىء رئاسة أو مرؤوسية بالمعنى الإداري الهرمي، ولا تجعل من الوزير مجرد تابع يستمد سلطته من تعليمات رئيس الحكومة، فالوزير يستمد صلاحيات مركزه وإختصاصه من الدستور نفسه، ويتولى وفق المادة 66، إدارة مصالح الدولة في الأمور العائدة الى إدارته، ويتحمل إفرادياً تبعة أفعاله الشخصية.

ومن هنا، فإن سلطة التوجيه والتنسيق لا تعني، بذاتها، سلطة الإلزام في كل أمر، ولا سيما حين يتعلق الأمر بممارسة إختصاص دستوري أو حق دستوري خصّ به الستور الوزير بالذات. فإختلاف الصلاحيات لا يُنشىء بالضرورة تبعية هرمية، كما أن رئاسة الحكومة لا تعني أي إمكانية لإلغاء الشخصية الدستورية للوزير المختص.

ويؤكد هذا المعنى، ما نصّت عليه المادة 64 نفسها، إذ أوجبت على رئيس مجلس الوزراء عند عقد جلسات عمل مع الجهات المعنية في الدولة، أن يفعل ذلك " بحضور الوزير المختص" . فالدستور، وهو يحدد صلاحيات رئيس الحكومة، لم يجعل الوزير المختص غائباً عن ممارسة هذه الصلاحيات، بل إعتبر حضوره عنصراً من عنصر إنتظامها ( صلاحيات رئيس الحكومة). وهذا يؤكد أن رئيس الحكومة لا يحل محل الوزير المختص في كل ما يتصل بإختصاصه، وأن العلاقة بينهما ليست علاقة رئاسية ادارية مطلقة، وإنما هي محددة بضوابط دستورية يتعين إحترامها.

وتزداد النتيجة وضوحاً في الحالة المعروضة، حيث أن الموضوع المطروح أمام المجلس النيابي هو  كما تقدم إقتراح قانون مقدم من عدد من النواب، لا مشروع مقدم من الحكومة. فالمبادرة التشريعية هنا صادرة عن السلطة التشريعية، وليس عن السلطة الإجرائية، ولا يكون رئيس مجلس الوزراء، بصدد الدفاع عن مشروع حكومي يتولى تمثيله أمام مجلس النواب. ومن ثم، فإن صلاحية رئيس مجلس الوزراء في التكلم بإسم الحكومة لا تتحول الى صلاحية حصرية في إبداء الرأي في إقتراح القانون، ولا سيما إذا كان هذا الإقتراح يتصل مباشرةً بإختصاص وزارة الدفاع الوطني.

فالوزير في هذه الحالة، لا ينازع رئيس مجلس الوزراء صلاحية تمثيل الحكومة، ولا يرمي او يطلب أن يحل محله في التكلم بإسمها، وإنما يمارس حقاً دستورياً خاصاً به، ويعرض رأي الجهة التي أناط الدستور به إدارة شؤونها. وهذا الحق لا يستمده من رئيس الحكومة، ولا من تفويض منه، بل من الدستور مباشرةً.

وقد كرّست المادة 67 من الدستور هذا الحق بعبارة صريحة لا تحتمل التقييد بالإستنتاج، إذ نصّت على أن:

" للوزراء أن يحضروا ألى المجلس أنى شاؤوا وأن يسمعوا عندما يطلبون الكلام "

فإذا كان الدستور قد منح الوزير حق الحضور الى مجلس النواب  "أنى شاؤوا" وحق أن يُسمع عندما يطلب الكلام، فلا يجوز تفسير المادة 64 على نحو يجعل ممارسة هذا الحق متوقفة على ارادة رئيس مجلس الوزراء، أو يجعل صلاحية تمثيل الحكومة وسيلة لحجبه عن السلطة التشريعية.

ولا يغيّر من ذلك التذرع بالتضامن الحكومي، إذ ان التضامن الحكومي الذي يتبلور داخل مجلس الوزراء يصبح موقفاً للحكومة، ولا يعني إسقاط حق الوزير في إبداء رأيه في مسألة تدخل في إختصاصه، ولا تحويله الى تابع اداري لرئيس الحكومة. فالتضامن لا ينشىء تبعية هرمية، والتنسيق لا يعني الوصاية، ورئاسة الحكومة لا تعني إلغاء الدور الدستوري للوزير.

وفي هذا السياق، يكتسب قرار المجلس الدستوري رقم 4/2000 أهمية خاصة، في هذا المجال خاصةً، لا بإعتباره قد فصل مباشرةً في حق الوزير بدخول مجلس النواب، وإنما بإعتباره كرّس مبدأً دستورياً بالغ الدلالة، مؤداه أن تقليص الدور الذي أناطه الدستور بالوزير المختص او الإنتقاص من ولايته الدستورية يشكل مخالفة دستورية جسيمة. ومن ثمّ، لا يجوز تفسير صلاحيات رئيس مجلس الوزراء تفسيراً يؤدي عملياً إلى إفراغ إختصاص الوزير من مضمونه او الى تعطيل حق دستوري صريح منحه إياه الدستور.

وعليه فإن منع وزير الدفاع الوطني من دخول قاعة الهيئة العامة لمجلس النواب، أو الحؤول دون إبداء رأيه في إقتراح قانون يتصل مباشرة بإدارته، بحجة أن رئيس الوزراء سيتكلم بإسم الحكومة، لا يجد سنده القانوني في المادة 64 من الدستور. فهذه المادة تمنح رئيس الحكومة صلاحية تمثيل الحكومة والتكلم بإسمها، لكنها لا تمنحه سلطة الغاء حق الوزير في الحضور والكلام، ولا سلطة الحلول محل الوزير المختص في إبداء رأيه في شأن يدخل في صميم إختصاصه. كما أنه لا يوجد في المادة تلك ما يشير إلى أولويتها بالتدرج او بالتفاضل على إلغاء نص دستوري حفظه الدستور للوزير المختص.

والفارق هنا جوهري بين وحدة الموقف الحكومي ووحدة الصوت الحكومي. فليس كل تعدد في الأصوات خروجاً على وحدة الحكومة، كما أن إبداء الوزير رأيه في إقتراح قانون نيابي لا يعني بالضرورة أنه يتكلم بإسم الحكومة أو ينازع رئيسها صلاحية تمثيلها، بل إن حق الوزير في أن يُسمع أمام مجلس النواب هو من مقتضيات المسؤولية الدستورية التي حمّله إياها الدستور، ومن مقتضيات الرقابة البرلمانية التي لا تستقيم من دون تمكين صاحب الإختصاص من عرض رأيه.

لذلك، فإن القول بأن رئيس مجلس الوزراء هو"الأول بين متساوين " يظل وصفاً مناسباً لموقعه الدستوري، شرط أن يُفهم في حدوده الصحيحة: فهو الأول في الموقع، والمتميز في الصلاحيات التي أناطها به الدستور، لا الرئيس الهرمي للوزراء، ولا صاحب سلطة عامة في إلغاء إختصاصاتهم أو تعطيل حقوقهم الدستورية. فالفرق كبير بين أن يكون المسؤول "أولاً"  وبين أن يكون " أعلى " فالأول وصف للموقع، أما الثاني فهو وصف لعلاقة سلطة لا ينشئها الدستور في هذه الحالة.

ومن ثم، فإن الحق الدستوري في الكلام لا يقابله حق دستوري في المنع. فإذا كان الوزير قد طلب الحضور والكلام في شأن يتصل مباشرةً بإختصاصه، ولم يكن بصدد مخالفة موقف حكومي مُلزم أو التنصل من قرار إتخذته الحكومة، فإن حجب رأيه لا يجد أساساً دستورياً في مجرد القول أن رئيس مجلس الوزراء هو الذي يتكلم بإسم الحكومة.

إن إحترام الدستور يقتضي معه أن تُقرأ نصوصه قراءة تكاملية، لا أن يُستعمل نص منها لإهدار نص آخر. فالمادة 64 تحدد وظيفة رئيس مجلس الوزراء، والمادة 66 تحدد ولاية الوزير ومسؤوليته، والمادة 67 تقرر حقه في الحضور والكلام، والمادة 65 تجعل من السلطة الإجرائية منوطة بمجلس الوزراء، ولا يجوز أن تتحول صلاحية التمثيل الى سلطة إلغاء، ولا أن تتحول سلطة التنسيق الى تبعية، ولا أن يتحول التضامن الوزاري الى إمكانية إسكات.

فالوزير الذي يحمله الدستور مسؤولية إدارة وزارة الدفاع الوطني، لا يجوز أن يُحال دون إبداء رأيه في مسألةٍ تتصل مباشرةً بوزارته، وقد كفل الدستور هذا الحق الدستوري.

وإذا كان هناك من ثمة عتب، فإن عتبنا ليس على إختلاف في الرأي، ذلك أن الإختلاف في الرأي هو من طبيعة الحكم الديمقراطي، وإنما على أن يُفهم التنسيق الدستوري على أنه تبعية تؤدي الى إمكانية الإسكات. وفهم الموضوع بشكلٍ خاطىءٍ كما حصل، لا ينسجم مع نص الدستور ومع روحه، ولا مع الفلسفة التي تقوم على أساسها الدولة الدستورية: أن يكون المسؤول خاضعاً للدستور، لا أن يصبح الدستور خاضعاً لتقدير المسؤول.

وليس في الدولة الدستورية من سلطة إلا ما كان لها سند، ولا منع او حرمان من حق دستوري إلا بإجازة الدستور ذلك صراحةً أو حتماً. فالمناصب لا تعلو على النص، والسلطة لا تُنشىء ذاتها، والحرمان الدستوري لا يكون بالإستنتاج، الأمر الذي يؤدي بنا الى القول بأن وزير الدفاع الوطني كان يملك في هذه المسألة، حق الحضور الى قاعة الهيئة العامة للمجلس النيابي وطلب الكلام في إقتراح القانون المعروض على التصويت، والمتصل مباشرةً بإختصاص وزارته، وأن رئيس مجلس الوزراء لم يكن يملك دستورياً، وإستناداً الى المادة 64 من الدستور أن يحجبه عن ممارسة هذا الحق، للأسباب أعلاه. ذلك أن المادة 64 وكما أشرنا آنفاً لا تُقرأ بإعتبارها مصدراً لسلطة مطلقة، بل بإعتبارها إحدى حلقات توزيع السلطة التنفيذية، ومن ثم فإن صلاحية رئيس الحكومة من خلالها في التمثيل والتنسيق المشار إليهما، يجب أن تمارس ضمن الحدود التي ترسمها الصلاحيات الدستورية المستقلة للوزراء.

وهذه النتيجة لا تنتقص من مقام رئيس مجلس الوزراء، ولا من صلاحيته، بل تؤكد أن هيبة الموقع الدستوري لا تكون بتوسيع سلطته على حساب النص، وإنما بإحترام الحدود التي رسمها الدستور لكل سلطة. وبصون الحقوق التي أناطها بكل مسؤول.

ففي الدولة الدستورية، لا يكون إحترام الوزير لرئيس الحكومة على حساب إحترام رئيس الحكومة للدسـتور، ولا تكون وحدة الحكومة على حساب وحدة الدستور، ولا تكون قوة السلطة لإي إسكات لصاحب الإختصاص، بل في تمكينه من ممارسة إختصاصه ضمن حدود القانون.  ولهذا أورد الفقيه الإنكليزي أ.ف.دايسي أنه : " عندنا، يخضع كل موظف، من رئيس الوزراء إلى الشرطي أو جابي الضرائب، للمسؤولية نفسها عن كل عمل يُرتكب من دون تبرير قانوني، شأنه في ذلك شأن أي مواطن آخر "

With us every official, from the prime minister down to a constable or a collector of taxes, is under the same responsibility for every act done without legal justification as any other citizen

( Introduction to the study of law of the Constitution)

كما يشير في ذات المقالة " أن أوامر الملك نفسه لا تُشكل تبريراً لإرتكاب فعل غير مشروع أو غير قانوني "

The orders of the king himself are no justification for the commission of a wrongful or illegal act

                 بيروت في 27/8/2026

                     المحامي وليد نورالدين الخطيب

 

شارك هذا المنشور